محمد بن جرير الطبري
36
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم كذلك قالها يزيد ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم قال : عملوا بطاعة الله فألحقهم الله بآبائهم . وأولى هذه الأقوال بالصواب وأشبهها بما دل عليه ظاهر التنزيل ، القول الذي ذكرنا عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، وهو : والذين آمنوا بالله ورسوله ، وأتبعناهم ذرياتهم الذين أدركوا الايمان بإيمان ، وآمنوا بالله ورسوله ، ألحقنا بالذين آمنوا ذريتهم الذين أدركوا الايمان فآمنوا ، في الجنة فجعلناهم معهم في درجاتهم ، وإن قصرت أعمالهم عن أعمالهم تكرمة منا لآبائهم ، وما ألتناهم من أجور عملهم شيئا . وإنما قلت : ذلك أولى التأويلات به ، لان ذلك الأغلب من معانيه ، وإن كان للأقوال الآخر وجوه . واختلفت القراء في قراءة قوله : وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم فقرأ ذلك عامة قراء المدينة واتبعتهم ذريتهم على التوحيد بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم على الجمع ، وقرأته قراء الكوفة واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم كلتيهما بإفراد . وقرأ بعض قراء البصرة وهو أبو عمرو وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم . والصواب من القول في ذلك أن جميع ذلك قراءات معروفات مستفيضات في قراءة الأمصار ، متقاربات المعاني ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وقوله : وما ألتناهم من عملهم من شئ يقول تعالى ذكره : وما ألتنا الآباء ، يعني بقوله : وما ألتناهم : وما نقصناهم من أجور أعمالهم شيئا ، فنأخذه منهم ، فنجعله لأبنائهم الذين ألحقناهم بهم ، ولكنا وفيناهم أجور أعمالهم ، وألحقنا أبناءهم بدرجاتهم ، تفضلا منا عليهم . والألت في كلام العرب : النقص والبخس ، وفيه لغة أخرى ، ولم يقرأ بها أحد نعلمه ، ومن الألت قول الشاعر : أبلغ بني ثعل عني مغلغلة * جهد الرسالة لا ألتا ولا كذبا